أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
256
العقد الفريد
لصالح المري في مثله : الأصمعي قال : عزى صالح المزي رجلا بابنه ، فقال له : إن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة ، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك ؛ واعلم أن التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة . لوالد العتبي في مثله : العتبي قال : عزى أبي رجلا فقال : إنما يستوجب على اللّه وعده من صبر لحقّه ، فلا تجمع إلى ما فجعت به الفجيعة بالأجر ، فإنها أعظم المصيبتين عليك ، ولكل اجتماع فرقة إلى دار الحلول . عزّى عبد اللّه بن عباس عمر بنّ الخطاب رضي اللّه تعالى عنه في بنيّ له صغير ؛ فقال : عوضك اللّه منه ما عوّضه اللّه منك . وكان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه إذا عزّى قوما قال : عليكم بالصبر فإن به يأخذ الحازم ، وإليه يرجع الجازع . وكان الحسن يقول في المصيبة : الحمد للّه الذي آجرنا على ما لو كلفنا غيره لعجزنا عنه . كتاب تعزية أما بعد : فإن أحق من تعزى ، وأولي من تأسّي وسلّم لأمر اللّه ، وقبل تأديبه في الصبر على نكبات الدنيا وتجرّع غصص البلوى - من تنجز من اللّه وعده ، وفهم عن كتابه أمره ، وأخلص له نفسه ، واعترف له بما هو أهله ، وفي كتاب اللّه سلوة من فقد كل حبيب وإن لم تطب النفس عنه ، وأنس من كل فقيد وإن عظمت اللوعة به ؛ إذ يقول اللّه عز وجل : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ « 1 » وحيث يقول : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ
--> ( 1 ) سورة القصص الآية 88 .